أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
284
شرح مقامات الحريري
المقامة السّادسة والعشرون وتعرف بالرقطاء حدّث الحارث بن همّام قال : حللت سوق الأهواز ، لابسا حلّة الإعواز ، فلبثت فيها مدّة ، أكابد شدّة ، وأزجّي أياما مسودّة ، إلى أن رأيت تمادي المقام ، من عوادي الانتقام ، فرمقتها بعين القالي ، وفارقتها مفارقة الطّلل البالي . فظعنت عن وشلها كميش الإزار ، ركضا إلى المياه الغزار ؛ حتّى إذا سرت منها مرحلتين ، وبعدت سرى ليلتين ، تراءت لي خيمة مضروبة ، ونار مشبوبة ، فقلت : آتيهما لعلّي أنقع صدى ، أو أجد على النار هدى . * * * حللت : نزلت . الأهواز : مدينة واسعة لها سبع كور بين البصرة وفارس ، قال الرّشاطي : الأهواز : متصلة بالجبل وأصبهان ، وقيل : إن الأهواز بلد من سكن قصبته ، ضعف عقله ولزمته الحمّى . حلة الإعواز : ثوب الفقر ، والحلّة إزار ورداء ، ولا يقال لثوب واحد : حلّة . لبثت : أقمت . أكابد : أقاسي . أزجّي : أسوق . مسودّة : شداد مشئومة . تمادي : دوام وطول . المقام : الإقامة . عوادي : جمع عادية ، من العدوان وهو الظلم . والانتقام : العذاب والنكاية . رمقتها : نظرتها . القالي : البغيض . الطلل : ما شخص من آثار الدار . ظعنت : ارتحلت . وشلها : ماؤها القليل . كميش : مشمّر ، وانكمش في طلب حاجته : أسرع فيها ، والإزار والمئرز : ما يلبس عرضا من السراويل ، ولا تعرف العرب السراويل ، ووجدها أعرابي فظنّها قميصا ، فأدخل يديه من على ساقيها ، والتمس من أين يخرج رأسه فلم يجد فرمى بها ، وقال : هذا قميص الشيطان . قوله : راكضا ، أي جاريا ، وهمزة ماء مبدلة من هاء « مياه » . الغزار : الكثيرة . سرى ليلتين ، أي سرت مقدار ما يسار فيه ليلتين . تراءت : ظهرت . مشبوبة : موقودة . أنقع صدى : أروي عطشا . أجد على النار هدى ، أي أجد عليها من يرشدني إلى الطريق . * * * فلمّا انتهيت إلى ظلّ الخيمة ، رأيت غلمة روقة ، وشارة مرموقة ، وشيخا عليه